•
أحمد الخطيب
في كل مهمةٍ نخوضها لبناء استراتيجية علامة، يقابلنا من العملاء الاعتقاد نفسه على اختلاف القطاعات والأحجام: أنّ العلامة شأنٌ تسويقي، وأنّ عُهدتها تبدأ وتنتهي عند باب قسم التسويق. وهذا الاعتقاد، على شيوعه، هو أوّل ما نُعيد النظر فيه مع كل شريكٍ نعمل معه؛ لأنّ تصحيح العلاقة بين الاستراتيجية والتسويق ليس تنظيراً أكاديمياً، بل هو الفارق بين علامةٍ تنمو من جذورها، وأخرى تُلمّع واجهتها بينما يتآكل أساسها في صمت.

حين نعود إلى الأصل
عِلْم العلامة والتسويق من أحدث العلوم الإدارية عهداً، وفي حداثته مفتاحٌ لفهم كثيرٍ من الالتباس القائم حوله اليوم. فالتسويق ظلّ ممارساتٍ متفرّقة بلا إطار حتى وضع له فيليب كوتلر في ستينيات القرن الماضي بنيانه العلمي المستقل. أمّا العلامة، فقد تشكّلت ملامحها في ثلاثينياته، يوم استحدثت "بروكتر آند غامبل" منصب "مدير العلامة" ليتولّى كل منتجٍ على حدة بخطّته وهويّته. ثم جاء إدوارد بيرنيز - ابن شقيقة سيغموند فرويد - فنقل علم النفس والسلوك الإنساني إلى قلب الخطاب الإعلامي، وصاغ مفهوم "الصورة الذهنية" في كتابه "هندسة القبول" عام 1947، ليصبح مرجعاً لرموز المهنة من أمثال أوغلفي وكوتلر.
تلاقت هذه الجهود لِيُولد مصطلح "استراتيجية العلامة التجارية" لأوّل مرة مع كوكاكولا في الثمانينيات، ثم طوّرت ماكينزي أدواتٍ لإدراجها ضمن أجندة القيادة العليا، حتى استقرّت في التسعينيات خدمةً قائمةً بذاتها. نسوق هذا التاريخ الموجز لغايةٍ واحدة: أنّ كثيراً من الخبراء ما زالوا يحبسون العلامة في تعريفٍ تجاوزه الزمن – "مجموعةٌ من المشاعر تُبنى بها صورةٌ ذهنية" - ويُلقون بعبء تطويرها على التسويق وحده. وهنا تحديداً يبدأ الخلل.
العلامة أسلوبُ حياةٍ للمؤسسة، لا قناعٌ تضعه
الذي نراه ونبني عليه ممارستنا أنّ العلامة واستراتيجيتها أسلوبُ حياةٍ للعمل التجاري؛ جوهره وعقله، لا صورته الخارجية. هي المنارة التي يهتدي بها كل قرارٍ يومي أو مصيري، من أصغر موظّفٍ إلى رأس الهرم التنفيذي. وقد تكون العلامة سياسيةً أو اقتصاديةً أو شخصية؛ لا يتبدّل الأساس. ولهذا نرفض اختزالها في وظيفةٍ تسويقية، لأنّ هذا الاختزال يُفرغها من سلطتها على القرار.
العلامة تُبنى في قلب القرار
من المسؤول عن بناء العلامة؟ ليس التسويق، ولا المبيعات، ولا التشغيل، ولا سواها من الأقسام. المسؤول هو القائد الأعلى الذي يوجّه الأقسام جميعها للإسهام في صياغتها. فحين يغيب إيمان القيادة بالعلامة، تتعطّل أمتنُ الاستراتيجيات؛ إذ لو وضع كل فردٍ في المؤسسة عشر استراتيجياتٍ محكمة، لما أثمرت ما دام صاحب القرار الأول يسير في تيارٍ معاكس. وهذه قاعدةٌ رسّختها التجربة الميدانية مرّةً بعد مرّة.
العلامة لا تُولد على مكتب مدير التسويق، بل في قلب صاحب القرار.
لماذا التسويق هو الابن البار؟
ليس التسويق هو مَن يصوغ الاستراتيجية، لكنّه أشدّ الأقسام تأثّراً بها وأقدرها على تجسيدها. فهو الذراع التنفيذي الذي يترجم رؤى القيادة وتوجّهاتها إلى رسائل واضحة ونقاط تماسٍّ يعيشها العميل كل يوم. ومن هنا تأتي بنوّته البارّة: يأخذ ما في العقل الاستراتيجي ويُخرجه إلى النور بلغةٍ مفهومة، فيراه الناس ويلمسونه في كل تفصيل.
حين تغيب الاستراتيجية، يدفع التسويق الثمن
والتسويق كذلك أكثر الأقسام تضرّراً بغياب الاستراتيجية. فبينما تمضي الأقسام الأخرى في أعمالها بمخرجاتٍ واضحة - التشغيل يُنتج، والموارد البشرية تُوظّف، والمالية تتابع المصروف والمدخول والموازنات - يقف التسويق وحده في مواجهة السوق، حاملاً عبء الوعود التي تقطعها المؤسسة. فإذا اضطربت تلك الوعود، أو جاءت المنتجات بعيدةً عن الواقع لغياب استراتيجية العلامة، تعذّر عليه أداء مهمّته الأولى في بناء السمعة وتحقيق المبيعات. ولهذا نقول دائماً: قوّةُ التسويق من قوّة الاستراتيجية، وضعفُه انعكاسٌ لغيابها.
خلاصتنا
التسويق ليس المسؤول الأول عن الاستراتيجية، لكنّه ابنها البارّ؛ أشدّ المتأثرين بها وأبلغ المعبّرين عنها. ومن أراد علامةً تصمد وتنمو، فليبدأ من حيث تُبنى العلامات فعلاً: من قناعة القائد، لا من مكتب التسويق.